يوسف زيدان

6

إعادة اكتشاف ابن نفيس

والطبيب الفيلسوف أبو علي ابن سينا لم يحمل لقب الشيخ الرئيس عبثا ، ولم تستمر موسوعته القانون في الطب قرونا طويلة كمقرر دراسىّ في بلاد العرب وفي أوروبا . . اتفاقا ! وإنما كان ذلك بسبب ما اكتنفه قانون الشيخ الرئيس ، من إقرار للمنهج العلمي في الطب ، وتصنيف دقيق للمباحث والأقسام الطبية المختلفة ، وعرض محكم لأسباب الأمراض وعلاماتها وعلاجاتها على نحو جامع ؛ ولذا عدّ قانون ابن سينا ، أهم كتاب طبىّ منذ فجر التاريخ ، حتى مطلع العصر الحديث . . ناهيك عن مؤلّفات ابن سينا الطبية الأخرى : دفع المضار الكلية عن الأبدان الإنسانية - الأدوية القلبية - رسالة في الفصد - رسالة في القولنج - الأرجوزة الألفية - أرجوزة في حفظ الصحة « 1 » . . وغير ذلك . أما ثالث الثلاثة : علاء الدين ( ابن النفيس ) القرشي ، فهو أعظم شخصية طبّية في القرن السابع الهجري ، وهو صاحب أضخم موسوعة طبية يكتبها شخص واحد في التاريخ الإنسانى : الشامل في الصناعة الطبية . . وقد وضع مسوّداتها بحيث تقع في ثلاثمائة مجلد ، بيّض منها ثمانين ! وتمثل هذه الموسوعة الصياغة النهائية والصيغة الأخيرة المكتملة ، للطب والصيدلة في الحضارة العربية الإسلامية ، بعد خمسة قرون من الجهود العلمية المتواصلة . . وقد وضعها علاء الدين ( ابن النفيس ) لتكون نبراسا لمن يشتغل بالعلوم الطبية من بعده ، وإليها وإلى مؤلّفاته الأخرى أشار بقوله : لو لم أعلم أن تصانيفى تبقى بعدى عشرة آلاف سنة ، ما وضعتها . * * * وعلى امتداد السنوات العشرين الماضية ، شغلني علاء الدين القرشي ( ابن النفيس ) شغلا متواصلا ، فعكفت على تراثه المخطوط ، جامعا أصوله الخطّية من كافة

--> ( 1 ) الأرجوزة الألفية ، منظومة شهيرة - من بحر الرجز - تزيد أبياتها على ثلاثمائة وألف بيت شعري ، مطلعها : الطبّ حفظ صحة برء مرض * من سبب في بدن عنه عرض وأرجوزة ابن سينا الأخرى ، في حفظ الصحة والتدبير والفصول الأربعة ، يتراوح عدد أبياتها - بحسب اختلاف مخطوطاتها - فيما بين 118 ، 146 بيتا . . ويقول مطلعها : يقول راجى ربّه ابن سينا * ولم يزل بالله مستعينا يا سائلى عن صحة الأجساد * اسمع صحيح الطب بالإسناد